تُعتبر بكتيريا الفضاء واحدة من الأشياء التي أفسدت التصور الذي كان يأخذه البعض عن الفضاء، فهناك من كان يعتقد أن الفضاء بيئة آمنة ونظيفة وخالية من الجراثيم والبكتيريا، لكن مع اكتشاف بكتيريا الفضاء هذه اتضح عدم صحة هذا الاعتقاد، بل أصبح رواد الفضاء غير آمنين على نفسهم في أخطر الرحلات التي يُمكن أن يخوضوها على الإطلاق.

وبالرغم من أن الآمن هو أكثر الأشياء طلبًا في مثل هذه الرحلات الخطيرة، عمومًا، في السطور القادمة سوف نتعرف سويًا على كل شيء يتعلق بتلك الكارثة المُسماة بكتيريا الفضاء، كيف بدأت وإلى أي حد تفاقم تأثير الأمر.

ما هي البكتيريا؟
قبل أن نتعرف على بكتيريا الفضاء علينا أولًا التعرّف على المقصود بالبكتيريا عمومًا، فالبكتيريا هي مصطلح يُطلق على تلك الكائنات الحية الدقيقة، والتي يُطلق عليها البعض اسم الجراثيم أيضًا، حيث تتجمع تلك الكائنات الدقيقة وتُكون جسم واحد، يُسمى بالخلية البكتيرية، وتلك الخلية تُسبب الكثير من الأضرار، لذلك تتوتر العلاقات دائمًا بين البكتيريا والإنسان.

كانت البكتيريا حسب علم الإنسان مقصورة على الأرض فقط، فالأرض قبل القرن العشرين كانت العالم الكامل للبشر، وما سواها كان مُجرد أشياء غير مادية، لم يروها ولم يتأكدوا بعد هل هي موجودة أصلًا أم لا، لكن، في المنتصف الثاني من القرن العشرين، وعندما عرف الإنسان الفضاء، وجد هناك البكتيريا أيضًا، وهنا كان السؤال الهام، كيف بدأت بكتيريا الفضاء؟ وهل وُجدت قبل صعود الإنسان أم بعده؟

بداية بكتيريا الفضاء
في الحقيقة لم تكن بكتيريا الفضاء موجودة قبل تواجد الإنسان على الفضاء، والدليل على ذلك أنها لم تُكتشف في الرحلات الأولى التي شملت العقود الثلاث من النصف الثاني من القرن العشرين، وإنما ذهبت أغلب التكهنات إلى أن الأمر برمته بدأ في الرحلة التي خرجت من الولايات المتحدة الأمريكية نهاية التسعينات، حيث استطاعت أن تلبد بأحد المراكب الفضائية روفرز التي خرجت لاستكشاف الكوكب الأحمر، وهناك تسللت من المركبة وانتشرت في الفضاء.

هناك من ينفي ذلك الأمر ويقول إن تسلل البكتيريا إلى الفضاء جاء مُتأخرًا بعض الشيء، وتحديدًا في أحد الرحلات التي خرجت في عام 2004، عمومًا، مهما كان وقت الرحلة التي تسللت فيها البكتيريا للفضاء، فإن ما يشغلنا الآن هو معرفة أن البكتيريا قد أصبحت موجودة بالفعل، وليس أي وجود، بل وجود قوي ومؤثر.

بكتيريا الفضاء
المقصود ببكتيريا الفضاء هو نفس المقصود بالبكتيريا العادية، لكن الفارق الوحيد أن الأولى تحدث على الأرض والثانية تحدث على الفضاء، أو أنها نتجت على الأرض ثم تطورت بعد ذلك في الفضاء، بمعنى أدق، بكتيريا الفضاء ليست سوى أجسام دقيقة قد لا تُرى بالعين المجردة، وهذه الأجسام تتسبب غالبًا في الكثير من الأضرار.

يكاد يكون مُستحيلًا أن تتكون البكتيريا في الفضاء من تلقاء نفسها، وذلك لأنها ببساطة تحتاج لعدة تفاعلات لا تحدث إلا على الأرض، لكن ما يمكن الجذم به أن البكتيريا قد تشكلت في الأرض ثم صعدت في أحد الرحلات الفضائية إلى الفضاء وهناك بدأت في الانتشار، وقد ذكرنا آنفًا الرحلات التي من المحتمل أن تكون البكتيريا قد تسللت من خلالها.

أضرار البكتيريا
هل نتحدث عن البكتيريا بشكل عام أم أننا نتحدث فقط عن بكتيريا الفضاء؟ إذا كنا نتحدث عن البكتيريا بشكل عام فنحن نعرف بالتأكيد أضرارها، والتي تتمثل في أشياء مثل إحداث الالتهابات وتسوس الأسنان وتلويث الطعام، والطعام الملوث يتسلم الراية بعد ذلك يقوم هو الآخر بإحداث بعض الأضرار، لكن إذا كنا نتحدث عن أضرار بكتيريا الفضاء بشكل خاص فالأمر مختلف، وإن كان لا يختلف كثيرًا في الحقيقة، ففي النهاية يمكن اعتبار الأضرار الآتية نتيجة لكلا النوعين.

ضرب الجهاز المناعي، الضرر الأول
الضرر الأول الذي قد تُسببه بكتيريا الفضاء هو ضرب الجهاز المناعي لرائد الفضاء، والواقع أن رائد الفضاء، عندما يكون على الفضاء، فإنه لا يكون في قابلية لتلقي أي شيء يؤثر على جهازه المناعي، وهذا ما تستهدفه البكتيريا منذ لحظتها الأولى، ولذلك يتم محاربتها بكل قوة من أجل المحافظة على سلامة رواد الفضاء، والذين يُعتبرون الحلقة الأهم والأصعب في الرحلات الفضائية.

تلويث الأدوات المُستخدمة، الضرر الثاني
هناك بعض الأدوات التي يتم استخدامها في الفضاء من قِبل الطيارين، وذلك للمساعدة في إتمام المهمة، لكن الحقيقة أن تلك الأدوات عندما تتعرض للبكتيريا، بكتيريا الفضاء تحديدًا، فإنها تُصبح في حكم الملوثة، وبالتالي فإن استخدامها يؤدي إلى إحداث الكثير من الأضرار، وتعريض رائد الفضاء الذي سيستخدم هذه الأدوات للإصابة بالبكتيريا، بالتالي تدمير الجهاز المناعي كما ذكرنا في الضرر الأول، وبالتأكيد لا تتسبب بكتيريا الفضاء في هذين الضررين فحسب، وإنما الكثير غيرهما من الأضرار التي لا مجال للحديث عنها.

استغلال البكتيريا
بالتأكيد لفظ البكتيريا لفظ غير محمود بالمرة، فهو دلالة على وجود خلل ما، أما عندما نقول بكتيريا الفضاء فهذا شيء أكثر سوءًا، إذ أننا نعرض البعثات الفضائية التي تكون مُحملة برواد الفضاء الأكفاء للخطر، لكن، بعد انتشار البكتيريا في الفضاء وتسليم الجميع بوجودها، بدأ البعض في البحث عن طرق يمكن من خلالها استغلال هذه البكتيريا في مصلحة الإنسان وليس العكس.

قال أحد المشرفين على الرحلات الفضائية في وكالة ناسا أنه جاري العمل الآن على تطوير أحد أنواع البكتيريا الذي يُتوقع أنه يحمل مادة قادرة على امتصاص ثاني أكسيد الكربون وتزويد الفضاء بالأكسجين، وهو جل ما يحتاجه أي شخص يذهب إلى الفضاء بالتأكيد، لكن، هل هذه هي الفائدة والاستغلال الأوحد للبكتريا.

الاستغلال في الغذاء
هناك ما قيل في استغلال بكتيريا الفضاء ويُمكن اعتباره ضربًا من الجنون، وذلك مثل إمكانية استغلال هذه البكتيريا في أشياء محورية مثل إيجاد الغذاء في الفضاء! تخيلوا أن البكتيريا التي تتسبب في الكثير من الأضرار التي ذكرناها آنفًا قد تُستخدم في أكثر شيء يسعى إليه الإنسان؟ عمومًا لا يسعنا سوى الانتظار والإيمان بالعلم الذي يهبه الله للإنسان، والذي يجعله يصل إلى أشياء لم يكن يحلم بها من قبل.

عمليات زرع البكتيريا
عندما أُعلن عن فوائد بكتيريا الفضاء المذكورة آنفًا قال البعض أن وكالة ناسا تعتزم تخويل وكالة طبية مُتخصصة للقيام بزرع بعض البكتيريا في الفضاء من أجل الاستفادة منها بالطرق التي ذكرناها، وإن كنتم تستغربون هذا الأمر فيجب أن تعرفوا أن تنفيذه قد جرى بالفعل.

ومن المتوقع تلغيم الفضاء بالبكتيريا مع حلول العام 2030، لكن بالطبع لا يعني ذلك أن يتم وضع أي نوع من البكتيريا وفي أي مكان في الفضاء، بل إن هذه العمليات تخضع لمراقبة وحسابات أخرى، وعمومًا، لا يسعنا سوى الانتظار ومراقبة هذا الشيء وجني ثماره، هذا إذا لحقه أيٌّا من الأجيال الحالية.

شارك المقالة