يُعد الضوء مادةً وأمواجًا كهرومغناطيسيةً في الوقت ذاته من قِبل العلماء على مدى طويل من الزمن، إذ إنّه يتمتع بخواص من كليهما، وبالرغم من ذلك فهو لا يمتلك الخواص الكاملة لأي منهما، ويحتوي الضوء على فوتونات تنتقل على شكل أمواج بين الوسائط المختلفة، وقد ثار الكثير من الجدل طوال عقود في أوساط الفيزيائيين حول طبيعة الضوء وماهيته، وما إذا كان مادةً أو موجةً إلكترومغناطيسيةً.

وشكَّلت هذه التساؤلات معضلةً للعلماء لأنهم في كل تجربة كانوا يجرونها كانوا يجدون أن سلوك الضوء يتغير بطريقة مختلفة وخلاصة القول هي أن الضوء واحد من الاستثناءات في الطبيعة، ويُعد هذا مبدءًا أساسيًا في نظريات ميكانيكا الكم، وفي هذا المقال نفصل كيفية وصول العلماء إلى هذه النتيجة.

ومن الجدير بالذكر أنّ المادة التي تتكون من ذرات أو جزيئات أو أيونات تتفاعل بطرق مختلفة مع الضوء، وتؤدي تفاعلاتها للعديد من الظواهر الطبيعية الجميلة التي تساعدنا في فهم طبيعة المادة أكثر.

الضوء كأشعة
لم يظن العلماء وجود حاجة لتفسير طبيعة الضوء لتطوير علم البصريات والأجهزة البصرية المتعلقة به، لكن في بداية القرن السابع عشر نتجت عن مجموعة من التجارب قواعد تصف سلوك الضوء عند عبوره للمواد الشفافه ذات الأسطح الملساء، مما أدى لتطورات حقيقية في علم البصريات، وهو ما يُسمى اليوم هندسة البصريات.

وتوجد عدة تطبيقات ثورية لها أهمها الكاميرات والتلسكوبات والمجاهر، ويُعدّ شعاع الضوء العنصر الأساسي في هندسة البصريات، ويُعرف شعاع الضوء بأنّه بناء افتراضي يشير لاتجاه انتشار الضوء في أي نقطة في الفضاء، وأول من أشار للأشعة البصرية هو العالم فيثاغورس، كما أنّ ملاحظة أن الضوء ينتقل في خطوط مستقيمة طورت مفهوم الأشعة كثيرًا، إذ أصبح من السهل تخيل أشعة الضوء كحزمة من الأسهم المتوازية التي تنتقل من مكان إلى آخر أو تنعكس عن الأسطح أو تتجه إلى البؤرة أو تتشتت أو غيرها من خصائص الضوء.

الضوء موجات إلكترومغناطيسية
يعود الفضل في دراسة الخصائص الشبيهة بخصائص الموجات والتي يتمتع بها الضوء للعديد من العلماء مثل فريسنل ويونغ وماكسويل، والموجة هي انتقال الطاقة من نقطة إلى أخرى من غير انتقال المادة نفسها ما بين النقطتين، وقد أجرى العالم يونغ تجربة الشق الأحادي، التي كان لها دور أساسي في دعم وجود خصائص شبه موجية لدى الضوء، مثل التداخل والحيود، إذ مرّر دفقًا من الأشعة الضوئية خلال شق ولاحظ الصورة المتشكلة على شاشة موضوعة خلف شاشة الشق، وهكذا، فإن كانت فرضية نيوتن صحيحةً في أن الضوء جسيم، فسيكون الشكل الذي سيظهر على الشاشة بنفس حجم الشق وشكله، إلا أن النتيجة كانت عكس ذلك، إذ كان الشكل الظاهر على الشاشة مشوشًا وهو ما دلّ على أن الضوء يمتلك خاصية التداخل، وهي خاصية تمتلكها موجات الطاقة، والتداخل هو ظاهرة تكون فيها موجتان لكل منهما فعل إضافي أو اختزالي على الأخرى، وهو ما يجعل الموجة الناتجة إما أكثر أو أقل اتساعًا.

أينشتاين والظاهرة الكهروضوئية
لاحظ العالم أينشتاين أنه عندما يتعرض الضوء لمادة معدنية فإن الإلكترونات تتفرق على سطح المادة المعدنية، وهو أمر لن يكون مألوفًا إن كان الضوء موجةً، والأمر الغريب في الظاهرة الكهروضوئية هو أنّ طاقة الإلكترونات، أي الإلكترونات الضوئية التي تتفرق على المعدن لا تتغير سواء أكان الضوء ضعيفًا أم قويًا، في حين أنه لو كان الضوء موجةً لتسبَّب الضوء القوي بتفرق الإلكترونات الضوئية بقوة أكبر، بعد ذلك افترض أينشتاين أن الضوء مكون من رزم بالغة الدقة من الطاقة تنتقل أو تنتشر بشكل شبه موجي، والجسيم الذي تصوره كان هو نفسه الفوتون، وقد تنبأ بأنه عند اصطدام الإلكترونات داخل المادة مع الفوتونات فإن الإلكترونات تمتص طاقة الفوتونات وتتفرق، كما أشار إلى أنه كلما ازداد تذبذب الفوتونات التي تصطدم بالإلكترونات كانت طاقة الإلكترونات التي ستتفرق أكبر، وهي حقيقة جرى تصويرها بدقة من خلال تجربة الشق المزدوج.

تجربة الشق المزدوج هي نفس تجربة الشق الأحادي مع تعديل بسيط، إذ تحتوي الشاشة ذات الشق في هذه التجربة على شقين متوازيين، ويلاحَظ سلوك الضوء على شاشة موضوعة وراء الشاشة ذات الشقين، في هذه التجربة تجعل الخاصية الشبيهة بالموجات التي تميز الضوء موجاتِ الضوء تتداخل أثناء مرورها من خلال الشقين، لتنتج عن ذلك حزم فاتحة وداكنة على الشاشة، وهي نتيجة لم تكن لتظهر لو كان الضوء مكونًا من جسيمات عادية، إلا أنه لوحظ أيضًا أن الضوء على الشاشة يظهر في نقاط مختلفة، أي مثل الجسيمات لا الموجات، بعد ذلك عندما بدأ استخدام أجهزة الاستشعار في الشقين لوحظ أن كل فوتون يمر من خلال شق واحد فقط، وهذه واحدة من خواص الجسيمات لا الموجات.

كيفية قياس سرعة الضوء
في مطلع العصور الحديثة حاول العديد من العلماء ابتكار طرق تمكنهم من قياس سرعة الضوء، وأول ما قد يخطر هو قانون السرعة الذي ينص على أنّ السرعة تساوي المسافة المقطوعة مقسومة على الزمن، لكن الأمر يختلف مع الضوء، فسرعته كبيرة جدًا ولا يُمكن قياسها بهذه السهولة، رغم ذلك حاول العديد من العلماء تطبيق تجارب لقياس سرعة الضوء ومنهم العالم جاليلو ومحاولة العالم رومر وغيرهم، لكنهم لم يصلوا لنتائج دقيقة، وكانت أفضل القياسات وأكثر النتائج دقةً في قياس سرعة الضوء بعد تطور الساعات الذرية والليزر، وذلك بعد عام 1970 ميلاديًا، ما شجع العلماء على إعادة تجربة قياس سرعة الضوء.

وفي عام 1973 م، حصل العلماء على قيمة فائقة الدقة وهي 299.792.457.4 مترًا في الثانية، ونسبة الخطأ في هذه القيمة لا تتجاوز 1 متر في الثانية، وبعد معرفة سرعة الضوء بدقة وإعطائها قيمةً مطلقةً وثابتةً، كان لا بد من إعطاء تعريف دقيق للمتر، وهو عنصر تربطه بالضوء علاقة ثابتة، وعرّف المتر بأنّه المسافة التي يقطعها الضوء في زمن مقداره 299.792.458/1 من الثانية، كما أنّ سرعة الضوء ثابتة في الفراغ ولا يمكن تغييرها، وهي أعلى سرعة موجودة على الإطلاق.

شارك المقالة