لدى وزارة الطاقة الأميركية هدف جديد يتمثل في زيادة الالتقاط المباشر لثاني أكسيد الكربون، وهي تقنية تستخدم التفاعلات الكيميائية لالتقاط هذا الغاز من الهواء مباشرة.

وتحدث كلاوس لاكنر أستاذ الهندسة ومدير مركز انبعاثات الكربون السلبية بجامعة ولاية أريزونا (Arizona State University)، في مقابلة له مع موقع “ذا ديلي بيست” (The Daily Beast) الأميركي، عن هذه التقنية، وعن المقصود بالإزالة المباشرة للكربون، وأسباب ضرورتها.

وقال لاكنر إن الكربون يتراكم في البيئة وتستغرق الطبيعة آلاف السنين لإزالته، وإن العالم يسير نحو تركيزات أعلى بكثير من ثاني أكسيد الكربون تتجاوز بكثير أي شيء اختبره البشر، ولا يمكن للبشرية تحمل الكميات المتزايدة من الكربون الزائد الذي يطفو في البيئة، لذلك يجب التخلص منه.

وأضاف أن قرنين من حرق الوقود الأحفوري تسبّبا في ضخ مزيد من ثاني أكسيد الكربون، أحد غازات الدفيئة القوية، في الغلاف الجوي أكثر مما تستطيع الطبيعة إزالته، فعندما يتراكم هذا الغاز فإنه يحبس الحرارة الزائدة بالقرب من سطح الأرض، فيتسبب في الاحتباس الحراري.

والآن يوجد كثير من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي لدرجة أن معظم السيناريوهات تظهر أن إنهاء الانبعاثات وحده لن يكون كافيا لتحقيق الاستقرار في المناخ، لذلك يتعين على البشرية أيضا إزالة ثاني أكسيد الكربون من الهواء مباشرة.

وأوضح لاكنر أن الانبعاثات لا تصدر كلها من مصادر كبيرة، مثل محطات الطاقة أو المصانع، فيمكن التقاط ثاني أكسيد الكربون عند خروجه. لذلك هناك حاجة إلى التعامل مع النصف الآخر من الانبعاثات؛ من السيارات والطائرات وأخذ حمام ساخن أثناء قيام فرن الغاز بإخراج ثاني أكسيد الكربون، وهذا يعني سحب ثاني أكسيد الكربون من الهواء.

طريقة الأشجار الميكانيكية

ولأن ثاني أكسيد الكربون يختلط بسرعة في الهواء، فلا يهم مكان إزالته أينما كان في العالم، وطريقة التخزين مهمة أيضا. إن تخزين ثاني أكسيد الكربون 60 عاما أو 100 عام ليس جيدا بما يكفي. فإذا عاد كل هذا الكربون إلى البيئة بعد 100 عام من الآن، فسيكون كل ما فعلناه هو الاهتمام بأنفسنا، وعلى أحفادنا اكتشاف ذلك مرة أخرى. وفي غضون ذلك، ينمو استهلاك الطاقة في العالم بنحو 2% سنوياً.

وشرح لأكنر طريقة مختبره للقيام بالتقاط الغاز من الهواء مباشرة، وتُسمى طريقة “الأشجار الميكانيكية”، قائلاً إنها عبارة عن أعمدة رأسية طويلة من الأقراص مغطاة براتنج كيميائي، يبلغ قطرها نحو 5 أقدام (متر ونصف)، ويفصل بين الأقراص نحو بوصتين (5 سنتيمترات)، مثل كومة من السجلات.

وأثناء هبوب الهواء، تمتص أسطح الأقراص ثاني أكسيد الكربون، وبعد 20 دقيقة أو نحو ذلك تمتلئ الأقراص، وتغرق في برميل في الأسفل. وبعدئذ، يتم إرسال الماء والبخار لإطلاق ثاني أكسيد الكربون في بيئة مغلقة.

وباستخدام الرطوبة، يمكن تجنب نحو نصف استهلاك الطاقة واستخدام الطاقة المتجددة للباقي. وهذا يتطلب الماء والهواء الجاف، لذلك لن يكون مثاليا في كل مكان، ولكن هناك أيضا طرق أخرى.

وعن تخزين ثاني أكسيد الكربون وإمكانية تخلص العالم منه على نحو دائم، قال لاكنر إن ذلك ممكن بالاستفادة من حقيقة أنه حمض وأن بعض الصخور قاعدية. وعندما يتفاعل ثاني أكسيد الكربون مع المعادن الغنية بالكالسيوم، فإنه يشكل كربونات صلبة. وبتمعدن ثاني أكسيد الكربون يمكن تخزين كمية غير محدودة تقريبا من الكربون بشكل دائم.

الحاجة إلى إطار تنظيمي

ذكر لاكنر أن وزارة الطاقة حددت هدفاً جديداً لخفض تكاليف إزالة ثاني أكسيد الكربون إلى 100 دولار للطن وتوسيعه بسرعة في غضون عقد من الزمن. وأضاف “لكن بعد إهمال التكنولوجيا 30 عاماً، لا يمكننا أن نقول فقط إن هناك شركات تعرف كيف تفعل ذلك وكل ما علينا فعله هو دفعها إلى الأمام. علينا أن نفترض أن هذه تقنية وليدة”.

وأشار إلى أن شركة “كلايمووركس” (Climeworks) هي أكبر شركة تقوم بالاستيلاء التجاري المباشر على ثاني أكسيد الكربون وتبيعه بنحو 500 دولار إلى ألف دولار للطن. ووصف ذلك بأنه غال جداً، في الوقت الذي يمكن فيه للعالم أن يفعل ذلك بسعر 50 دولاراً للطن.

وأوضح أن الولايات المتحدة تستهلك قرابة 7 ملايين طن من ثاني أكسيد الكربون التجاري سنوياً؛ المشروبات الغازية، ومطافئ الحريق، وصوامع الحبوب، التي تستخدمها للتحكم في مسحوق الحبوب الذي يعد خطرا لقابليته للانفجار، ومتوسط السعر هو 60 دولاراً إلى 150 دولاراً. إذن، “أقل من 100 دولار، فلديك سوق”.

وأكد أن ما يحتاج إليه العالم حقاً هو إطار تنظيمي يقول إننا نطالب بإخراج ثاني أكسيد الكربون، ثم تنتقل السوق من التقاط كيلوطن من ثاني أكسيد الكربون اليوم إلى التقاط غيغا طن منه. وأضاف أنه يرى عالما يتخلى عن الوقود الأحفوري، “ربما بشكل تدريجي، لكن لديه تفويض لالتقاط وتخزين كل ثاني أكسيد الكربون على المدى الطويل”.

شهادة حبس الكربون

وقال إن توصيته أن الكربون عندما يخرج من الأرض يجب أن يقترن بإزالة متساوية؛ “فإذا كنت تنتج طناً واحداً من الكربون المرتبط بالفحم أو الزيت أو الغاز فأنت بحاجة إلى التخلص من طن واحد. وليس من الضروري أن تكون بالطن نفسه، ولكن يجب أن تكون هناك شهادة حبس تؤكد أنه قد تم التخلص منها، ويجب أن تستمر أكثر من 100 عام. وإذا تم توثيق كل الكربون منذ اللحظة التي يخرج فيها من الأرض، فسيكون من الصعب خداع النظام”.

وأشار إلى أن المجهول الكبير هو مدى صعوبة دفع الصناعة والمجتمع نحو التخلص من الكربون، مضيفاً إن من المشجع أن نرى شركات مثل “مايكروسوفت” و”سترايب” تشتري أرصدة الكربون وشهادات لإزالة ثاني أكسيد الكربون وترغب في دفع أسعار مرتفعة إلى حد ما.

وختم بالقول إن التكنولوجيا الجديدة قد تستغرق عقدا أو عقدين لتحقيق اختراق، ولكن إذا كانت هناك جاذبية اقتصادية فيمكن أن تسير الأمور بسرعة، مشيراً إلى أن أول طائرة تجارية كانت متوفرة في عام 1951، وبحلول عام 1965 كانت موجودة في كل مكان.

المصدر : ديلي بيست