يؤدي تغير المناخ إلى إبطاء الحزام الناقل لتيارات المحيط التي تجلب المياه الدافئة من المناطق المدارية إلى شمال المحيط الأطلسي.

وقد وجدت دراسة حديثة نشرت في 6 يونيو/حزيران الجاري في “نيتشر كلايمت تشينج” (Nature Climate Change) أن انهيار هذا النظام -المسمى التيارات التقلبية الجنوبية للمحيط الأطلسي “إيه إم أو سي” Atlantic Meridional Overturning Circulation) (AMOC))- من شأنه أن يحول مناخ الأرض إلى حالة تشبه ظاهرة “لا نينا” (La Niña)، مما يعني المزيد من الأمطار الغزيرة على شرق أستراليا وموجات جفاف ومواسم أسوأ من حرائق الغابات في جنوب غرب الولايات المتحدة.

التيارات التقلبية وآثارها

وكما يقول الفريق البحثي في تقرير له عن الدراسة نشر على موقع “ذا كونفرزيشن” (The Conversation) إن سكان الساحل الشرقي لأستراليا يعرفون كيف تبدو ظاهرة “لا نينا” التي لا هوادة فيها، فقد أدى تغير المناخ إلى تحميل غلافنا الجوي بهواء رطب، فيما أدت ظاهرة “لا نينا” -التي تكررت على مدى فصلين من الصيف- إلى تدفئة المحيط شمال أستراليا، مما ساهم في بعض أكثر الظروف رطوبة على الإطلاق، مع حدوث فيضانات قياسية في نيو ساوث ويلز وكوينزلاند.

وفي الوقت نفسه، يتسبب الجفاف القياسي وحرائق الغابات الشديدة في جنوب غرب أميركا الشمالية في ضغوط هائلة على خطوط الإغاثة والزراعة، حيث قدرت تكلفة حرائق عام 2021 وحدها بما لا يقل عن 70 مليار دولار.

ويشرح الفريق البحثي في المركز الأسترالي للتميز في علوم القطب الجنوبي “إيه سي إي إيه إس” (ACEAS) التابع لمركز البحوث الأسترالي بجامعة نيو ساوث ويلز في سيدني في التقرير المشار إليه أن هذه التيارات تتألف من تدفق هائل من المياه الاستوائية الدافئة إلى شمال المحيط الأطلسي، مما يساعد في الحفاظ على المناخ الأوروبي معتدلا، مع السماح للمناطق الاستوائية بفرصة فقدان الحرارة الزائدة، ويمكن العثور على تيارات مماثلة قادمة من الشمال تعمل على تقليب مياه القطب الجنوبي في نصف الكرة الجنوبي.

وتكشف سجلات المناخ -التي تعود إلى 120 ألف عام- أن التيارات التقلبية الجنوبية للمحيط الأطلسي قد توقفت أو تباطأت بشكل كبير خلال العصور الجليدية، وأنها تعود للحركة وتهدئة المناخ الأوروبي خلال ما تسمى “الفترات بين الجليدية” عندما يكون مناخ الأرض أكثر دفئا، وأنه منذ حوالي 5 آلاف عام كانت التيارات التقلبية الجنوبية للمحيط الأطلسي مستقرة نسبيا، لكن خلال العقود القليلة الماضية تم رصد تباطؤها، وهذا ما أثار قلق العلماء.

التباطؤ وتداعياته

يذكر الباحثون في المقال أيضا أن إحدى النتائج الواضحة للاحترار العالمي هي ذوبان القمم الجليدية القطبية في غرينلاند وأنتاركتيكا، وعندما تذوب هذه القمم الجليدية فإنها تفرغ كميات هائلة من المياه العذبة في المحيطات، مما يجعل المياه العذبة أكثر قدرة على الطفو ويقلل غرق المياه الكثيفة عند خطوط العرض العالية.

وانهيار التيارات التقلبية لشمال الأطلسي والقطب الجنوبي من شأنه أن يغير بشكل عميق تركيب محيطات العالم، فسوف يؤدي توقف تقليب المياه إلى غرق المياه العذبة وترك مياه المحيط مستنزفة من الأكسجين، وسيصبح المحيط العلوي خاليا من المغذيات التي تتدفق عندما تطفو المياه العميقة من أعماق المحيط، وبالتالي ستكون الآثار على النظم البيئية البحرية كارثية.

وفي هذه الدراسة استخدم الباحثون نموذجا عالميا شاملا لفحص كيف سيبدو مناخ الأرض في ظل هذا الانهيار، حيث قاموا بإيقاف التيارات التقلبية الأطلسية من خلال نمذجة ضخ كميات كبيرة من المياه الذائبة في شمال المحيط الأطلسي، ثم مقارنة ذلك بمسار مكافئ مع عدم وجود مياه ذائبة.

وركز الباحثون على النظر إلى ما وراء التأثيرات الإقليمية المعروفة في جميع أنحاء أوروبا وأميركا الشمالية، والتحقق من كيفية تغير مناخ الأرض في المواقع النائية حتى أقصى الجنوب في القارة القطبية الجنوبية، وكان أول ما كشفت عنه نماذج المحاكاة هو أنه بدون التيارات التقلبية الأطلسية تتراكم كميات هائلة من الحرارة جنوب خط الاستواء.

ويدفع هذا الفائض من حرارة المحيط الأطلسي الاستوائي المزيد من الهواء الرطب الدافئ إلى طبقة التروبوسفير العليا (حوالي 10 كيلومترات في الغلاف الجوي)، مما يتسبب في نزول الهواء الجاف فوق شرق المحيط الهادي، ثم يعمل الهواء على تقوية الرياح التبادلية التي تدفع المياه الدافئة نحو البحار الإندونيسية، وهذا يساعد على وضع المحيط الهادي الاستوائي في حالة تشبه ظاهرة “لا نينا”.

وقد ظهر أيضاً أن التيارات التقلبية الأطلسية ستكون محسوسة جنوبا حتى القارة القطبية الجنوبية، وسوف يؤدي ارتفاع الهواء الدافئ فوق غرب المحيط الهادي إلى حدوث تغيرات في الرياح التي تنتشر جنوب القارة القطبية الجنوبية، مما ينجم عنه تعميق نظام الضغط الجوي المنخفض فوق بحر أموندسن الذي يقع قبالة غرب القارة القطبية الجنوبية، ومن المعروف أن نظام الضغط المنخفض هذا يؤثر على الصفائح الجليدية ويؤدي لذوبان الجرف الجليدي، بالإضافة إلى دوران المحيط وامتداد الجليد البحري حتى أقصى الغرب في بحر روس.

نظام عالمي جديد

لم يحدث في أي وقت من تاريخ الأرض -وبغض النظر عن النيازك والبراكين العملاقة- أن اهتز نظامنا المناخي بسبب التغيرات في تكوين غاز الغلاف الجوي مثلما نفرضه اليوم من خلال حرقنا المستمر للوقود الأحفوري، والمحيطات لها دور في موازنة مناخ الأرض، حيث تعمل على إبطاء وتيرة التغيير عن طريق امتصاص الحرارة والكربون بكميات هائلة، لكن هناك مردود لذلك يتمثل في ارتفاع مستوى سطح البحر وذوبان الجليد وتباطؤ كبير في التيارات التقلبية للمحيط الأطلسي المتوقع لهذا القرن.

ونعلم الآن أن هذا التباطؤ لن يؤثر فقط على منطقة شمال الأطلسي، ولكن على مناطق بعيدة مثل أستراليا والقارة القطبية الجنوبية، ويمكننا منع حدوث هذه التغييرات من خلال تنمية اقتصاد جديد منخفض الكربون.

المصدر : مواقع إلكترونية