القمر هو أول ما بدأ الإنسان باستكشافه في رحلته لدراسة الفضاء، وهو أول مكان حطت عليه أقدام رواد الفضاء، وإليه يأمل أن يعود الإنسان مرة أخرى لبناء محطات ينطلق منها إلى ما هو أبعد منه في الفضاء، لكن وجود الماء عامل أساسي في أي دراسات لوجود أي نوع من الحياة على القمر؛ ومنذ بدأت الأدلة على وجود مياه على القمر بالظهور، ظهرت معها تساؤلات عن مصدر هذه المياه.

فقد كشفت الأبحاث والدراسات الحديثة لعينات التربة القمرية وجود الماء مرتبطا بالغبار القمري، كما أنه يوجد على شكل جليد في الفوهات التي تغطي سطح القمر، محجوباً بحوافها المرتفعة عن ضوء الشمس ومحتجزا في كرات من الزجاج البركاني. وأثارت هذه الاكتشافات تساؤلات عن كمية المياه الموجودة على سطح القمر ومصدرها وكيفية استخراجها والاستفادة منها يوماً ما.

ووفقاً لتقرير نشره موقع “ساينس ألرت” (Science Alert)، فإن مصدر الماء قد يكون ناتجاً عن اصطدام القمر مع كويكبات، أو أنه من الأرض، أو قد يكون ناتجاً عن الشمس!

الشمس مصدر المياه

تعتبر الرياح الشمسية مصدراً لأيونات الهيدروجين العالية السرعة التي تصطدم بسطح القمر وتتفاعل مع أكاسيد المعادن وترتبط مع الأوكسجين المطرود، والنتيجة هي المياه التي يمكن أن تختبئ في الثرى (ريجوليث أو الحطام الصخري) القمري بكميات كبيرة عند خطوط العرض الوسطى والعليا. وأثارت الأدلة التي تتضمن تحليل التربة القمرية من بعثات “أبولو” في السابق احتمالية قوية بأن الرياح الشمسية مسؤولة على الأقل عن بعض مكونات القمر من المياه.

والآن، اكتشف فريق بحثي مشترك من المركز الوطني لعلوم الفضاء (NSSC) ومعهد الجيولوجيا والجيوفيزياء (IGG)، وكلاهما منتسب إلى الأكاديمية الصينية للعلوم (CAS)، أن حواف حبيبات التربة القمرية التي أحضرتها المهمة “تشانغ-5” (Chang’e-5) فيها تركيزات عالية من الهيدروجين ونسب منخفضة من الديوتيريوم/الهيدروجين (D/H) التي تتوافق مع المياه القمرية الناشئة عن الرياح الشمسية، ونشرت النتائج في دورية “بروسيدنغ أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينس” (PNAS) في 12 من الشهر الماضي.

كميات أكبر في قطبي القمر

وأثبتت الدراسات السابقة أن الماء (OH / H2O) على سطح القمر يختلف باختلاف خطوط العرض والوقت من اليوم (حتى 200 جزء في المليون)، ومثل هذا التغير الواضح يعني معدل امتصاص سريع من سطح القمر. وأجرى الباحثون عمليات محاكاة لعملية حفظ الهيدروجين في تربة القمر عند درجات حرارة مختلفة، ووجدوا أن المياه الناشئة من الرياح الشمسية يمكن أن تحفظ جيداً في مناطق خطوط العرض الوسطى والعالية على سطح القمر.

ويقول البروفيسور لين يانغتينغ من معهد الجيولوجيا والجيوفيزياء (IGG)، وهو أحد مؤلفي الدراسة، في البيان الصحفي الذي نشرته الأكاديمية الصينية للعلوم: “يمكن أن تحتوي التربة القمرية القطبية على كمية من الماء أكثر من عينات التي أحضرتها تشانغ-5″، فعلى عكس مهمات “أبولو” الست وبعثات “لونا” الثلاث التي هبطت جميعها على خطوط عرض منخفضة، أحضرت بعثة “تشانغ-5” عينات من التربة من موقع خط عرض متوسط.

بالإضافة إلى ذلك، جمعت عينات “تشانغ-5” من أصغر البازلت القمري المعروف (2.0 Ga) والقاعدة البازلتية الأكثر جفافا، لذلك تعد عينات “تشانغ-5” أساسية لمعالجة التوزيع المكاني والزماني والاحتفاظ بالمياه المشتقة من الرياح الشمسية في الثرى القمري، وأخذ الباحثون قياسات “مطياف الكتلة الأيونية الثانوية النانوية” (NanoSIMS) من على 17 حبة تربة قمرية أحضرتها مهمة “تشانغ-5″، لتحديد عمق ووفرة الهيدروجين وحساب نسب الديوتيريوم/الهيدروجين.

وكشفت النتائج أن غالبية حواف الحبيبيات أظهرت تركيزات عالية من الهيدروجين مع قيم منخفضة للغاية من الديوتيريوم، مما يدل على أن أصلها من الرياح الشمسية، وبناء على توزيع حجم حبيبات التربة القمرية ومحتواها من الهيدروجين، قُدِّر محتوى الماء السائب المشتق من الرياح الشمسية بـ46 جزءا في المليون من تربة تشانغ-5 القمرية، بما يتوافق مع نتيجة الاستشعار عن بعد.

استخراج وإعادة استخدام

واستطاع الباحثون أيضاً باستخدام نتائج تجارب التسخين لمجموعات فرعية من حبيبات التربة القمرية، إنشاء نموذج للتوازن الديناميكي بين زرع وإفراز هيدروجين الرياح الشمسية في حبيبات التربة على القمر، واكتشفوا أن درجة الحرارة (خط العرض) تلعب دوراً رئيسياً في غرس وهجرة الهيدروجين في تربة القمر، وتوقع الباحثون وجود وفرة أعلى من الهيدروجين في حواف الحبوب في المناطق القطبية القمرية.

ويؤكد البروفيسور لين أن “هذا الاكتشاف له أهمية كبيرة للاستخدام المستقبلي للموارد المائية على القمر، فمن خلال فرز الجسيمات والتسخين، من السهل نسبيا استغلال المياه الموجودة في التربة القمرية واستخدامها”.

المصدر: مواقع إلكترونية