كشفت دراسة حديثة نشرت في دورية “نيتشر كلايمت تشينغ” (Nature Climate Change)، في 12 يناير/كانون الثاني الجاري عن انخفاض غير مسبوق في الغطاء الجليدي الحالي بجبال الألب في القرون الستة الماضية بسبب الاحتباس الحراري.

 وقد تمكن الباحثون الإيطاليون في هذه الدراسة لأول مرة من تقدير كتلة الجليد ومدة بقائها على الأرض، على المدى البعيد. يقول ماركو كارير، المؤلف المشارك للدراسة، والباحث في مجال الغابات في جامعة بادوا بإيطاليا (University Of Padua) في البيان الصحفي الصادر عن المعهد الإيطالي لعلوم الغلاف الجوي والمناخ (Cnr-Isac) إن “الجليد أصبح يأتي متأخراً أكثر فأكثر ويذوب بسرعة كبرى”.

 وقد قدرت الدراسة، تراجع الغطاء الجليدي الحالي في جبال الألب بمقدار 36 يوماً مقارنة بـ”المتوسط طويل المدى”، وهو انخفاض مخيف وغير مسبوق لم يصل إلى هذا الحد على مدى القرون الستة الماضية.

 وتسلط نتائج هذه الدراسة الضوء على الحاجة الملحة لتطوير إستراتيجيات التكيف لبعض القطاعات البيئية والاجتماعية والاقتصادية الأكثر حساسية في هذه المنطقة، كما ستسمح أيضا بتعديل بيانات الأرصاد الجوية.

 كتلة الجليد أقل ومدته أقصر

 يؤثر الجليد بشكل كبير على مناخ الأرض وتوازن وتنظيم درجة الحرارة على سطحها، إضافة إلى ملء الأنهار والخزانات المائية في العديد من مناطق العالم بفعل ذوبان هذا الجليد.

 ومساحة الأرض التي يغطيها الجليد تحافظ على متطلبات المياه البيئية والبشرية، حيث يعتمد المليارات من الناس حول العالم على هذه الموارد، باعتبارها مصدرا كبيرا للمياه، خاصة خلال المواسم الجافة والحارة.

 ويشير الباحثون الإيطاليون في دراستهم إلى أن جبال الألب تعد أهم سلسلة جبال تزود دول أوروبا بالمياه، التي تصب في نهر الدانوب، والراين، والرون، وبو، حيث يتزايد الطلب على المياه للأغراض الزراعية والصناعية والمنزلية. ومن المعروف أن هذه الجبال معرضة لخطر أزمة المناخ الحالية، ومن المحتمل أن تواجه تغيرات جذرية في المستقبل مع تأثيرات متتالية.

 وبحسب الباحثين، فإن التركيز على كتلة الجليد مهم، ولكن هناك مجموعة من العمليات البيئية والأنشطة الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة مباشرة بمدة الغطاء الجليدي الشتوي، والتي تعتبر عاملا مهما تركز عليه دراستهم، على غرار تأثر السياحة الشتوية -والأنشطة الترفيهية ذات الصلة- سلبا بقلة كتلة الغطاء الجليدي وانخفاض مدة بقائه على الأرض.

 وتوصلت هذه الدراسة الحديثة، إلى أنه وعلى مدار الـ50 عاماً الماضية، انخفضت مدة الغطاء الجليدي في جبال الألب بنسبة 5.6% لكل عقد، ومن ثم تراجعت المدة التي يظل فيها الجليد على الأرض بهذه النسبة.

 يضاف إلى ذلك انخفاض سمك كتلة الجليد في جبال الألب بنسبة 8.4% لكل عقد، خلال الفترة الممتدة ما بين 1971 و2019. وقد تمكن العلماء من الوصول إلى هذه النتائج وتحديد كتلة الجليد على مدى عدة عقود ماضية، بفضل دراسة حلقات الأشجار.

 حلقات الأشجار لقياس كتلة الجليد ومدته

 ولكي نفهم تماماً كيف أن ديناميكيات الغطاء الجليدي الحديثة والعمليات المرتبطة بها غير عادية، وكيف ستتأثر بتغير المناخ الحالي والمستقبلي، فمن المهم الحصول على معلومات حول الملاحظات الموثوقة طويلة الأجل أو سلسلة تكون بمثابة “ممثل” لمدى ومدة كتلة الجليد.

 وقد وجد العلماء هذا في شجرة العرعار (Juniperus)، حيث تظهر السجلات التي تضم 572 سلسلة بعرض الحلقة المستخرجة من الشجرة التي تنمو على ارتفاعات عالية في إيطاليا، أن مدة الغطاء الثلجي الحالي أقصر بـ36 يوماً من المتوسط طويل المدى، وهو انخفاض لم يسبق له مثيل على مدى القرون الستة الماضية.

 ونشير هنا إلى أن اعتماد العلماء على حلقات الأشجار في تقدير “الزمن” أو “المدة” يرجع إلى خصوصية هذه الأخيرة، حيث إن تباين سرعة نمو الأشجار بين الشتاء والصيف، يترك أثرا في أنسجتها، ويظهر على شكل حلقات بجذعها، وتعبر عن الوقت الذي تكونت فيه، لا سيما الأشجار القديمة جداً.

 وتعتبر هذه السجلات الحديثة الأولى من نوعها التي تمكنت من قياس مدة التكتل الجليدي على مدار 600 سنة كاملة، ورغم وجود سجلات قديمة حول الطقس في جبال الألب تعود إلى منتصف القرن الـ18، وإلى جانب وفرة أنواع الأشجار طويلة العمر التي تنمو على ارتفاعات عالية، والتي تمت معايرتها والتحقق منها بتحديد مدة تكتل الجليد، فإن القياسات ظلت تمتد إلى عقود قليلة فقط، وبالتالي كان من الصعب تقييم الطبيعة الحقيقية للتقلص الحالي.

 وحول النتائج التي توصل إليها فريق الباحثين، يعلق لويس رافانيل مدير أبحاث في مختبر بيئات الجبال والأقاليم بحسب ما نقلته جريدة “لوفيغارو” (Le Figaro) الفرنسية فيقول “كنا نفتقر إلى هذا العمق التاريخي، فإذا كان الوضع المقلق تجاه تراجع كتلة الجليد في جبال الألب معروفاً نسبياً، فإن هذه الدراسة الحديثة مكنتنا من العودة بالزمن إلى الخلف”.

 المياه وحياة الناس

 يعتمد الاقتصاد الجبلي في الألب على السياحة والتزلج، ومن ثم فإنه يعاني من عواقب تراجع كتلة ومدة بقاء الجليد، فكلما كانت فترة الغطاء الجليد أقصر، كان موسم التزلج أقصر. إضافة إلى ذلك فإن نتائج هذه الدراسة تكشف عن تأثر دورة المياه في المنطقة، لأن وجود الجليد يعني وجود “خزان للمياه العذبة” يعتمد عليه ملايين البشر، وقلته من حيث الكتلة والمدة تؤثر على جميع جوانب حياة السكان الذين يعتمدون عليه.

 وبناء على هذه النتائج، فإنه يجب وضع إستراتيجيات لمواجهة الوضع الحالي وكذلك المستقبلي. يقول ماركو كارير، في البيان الصحفي الصادر عن المعهد الإيطالي لعلوم الغلاف الجوي والمناخ “لا يوجد حل قصير المدى لهذا التهديد”، مضيفاً إن إنشاء مناطق تزلج جديدة باستخدام الثلج الاصطناعي لن يحل المشكلة.

 ويوضح أن الأولوية الآن أصبحت في توفير المياه، محذرا “يمكن أن يتراجع منسوب المياه بشكل كبير في السنوات المقبلة”.

 وقد أوصت الدراسة بوضع إستراتيجيات تكيف للقطاعات الأكثر ضعفاً، حيث يرى رافانيل بشكل خاص أنه من الضروري تنويع الاقتصاد الجبلي، “بحيث لا يعتمد فقط على التزلج”.

 المصدر: مواقع إلكترونية