معطرات الجو

معطرات الجو.. كيف تؤذي كلاً من البيئة والصحة العامة؟

انتشر في الآونة الأخيرة استخدام معطرات الجو في المنازل والمكاتب، بديلاً عن مجرد فتح النوافذ، والإعلانات تحمل روائحها المتنوعة إلى كل مكان، وتجذب الانتباه إليها كي تزيد من استخدامها وتزيد من أرباح الشركات المنتجة.
حتى أن هناك العديد من المنتجات الطبيعية مثل البخور تتنافس مع مثيلاتها الصناعية كذلك، ولكل نوع مستهلكوه الذين يفضلونه على غيره. بمجرد أن تدخل إلى منزل عصري تقابلك أول شيء رائحة الفراولة أو زهور الفانيليا أو الورد.
وفي المنازل التي يحمل أصحابها أذواقا شرقية أكثر، تجد الرائحة الأشد كثافة للبخور الشرقي المثير. وحتى في الحمامات، فالشموع الرومانسية الجميلة تحيط بأحواض الاستحمام وتنشر شذاها في كل مكان، موفرة شعوراً بالاسترخاء والهدوء والجمال. فهل هذه المعطرات كلها تخلو من الضرر؟ وهل الصناعية منها فقط هي المضرة؟ وهل ضررها يصيب البيئة أم الإنسان أم كليهما؟.


تأثيرات معطرات الجو السلبية
دخان البخور يدخل في عينيك – وفي حمضك النووي!
يحب كثيرون منا إشعال البخور، بشكل يومي ربما، لبعث الرائحة الجميلة في الجو ولنشر شيء من الروحانية الجميلة في الهواء. فالأبحاث تشير إلى أن بعض مكوناته مثل اللبان بإمكانها التسبب في تغيرات كيميائية في أدمغتنا، وبالتالي تحسن المزاج وتجعلنا في حالة جميلة.
رغم ذلك، تحوم اكتشافات جديدة حول دخان البخور محذرة من أبخرته التي قد تتسبب في مخاطر تفوق دخان السجائر، فهو قد يتسبب في طفرات سرطانية في حمضنا النووي. وأيضا، فإن حرق البخور يطلق جسيمات كيميائية صغيرة، تحتجز في الرئة، وتتسبب في التهابات خطيرة. وجد البحث أيضا أن جسيمات البخور الموجودة في المكونات الشائع استخدامها مثل العود وخشب الصندل أكثر سمّية على الحمض النووي في خلايانا من دخان التبغ. ها هو معطر الجو الطبيعي وها هو أثره، فماذا تتخيل قد يصدر عن معطرات الجو الصناعية؟.


أن تضع نفخة من خطر في الهواء!
ينتشر استخدام البخاخات الكيميائية والجيل المستعمل لتعطير المنازل، لكن المحققين يحذرون من أنهم يحتوون على شيء من مواد خطرة قد تتسبب في تدمير الرئة وإحداث الأورام والتدخل في عمل الهرمونات والتسبب في مشاكل مزمنة مثل الربو.
تحذر الدراسات الحالية من أن معطرات الجو تنتج كميات كبيرة من الفورمالدهيد: المعروف كمادة مسرطنة للبشر حسب تعريف برنامج السموم الوطني التابع لحكومة الولايات المتحدة الأمريكية. فهو مرتبط بأورام الأنف والحنجرة، وفي أضعف حالاته يستطيع التسبب في احتقان الحلق والكحة وحكة العينين ونزيف الأنف.
ليس هو المادة الكيماوية الوحيدة التي نخشاها في معطرات الجو، فمن مكوناتها الرئيسية الأخرى المنتجات البترولية ومواد كيميائية من أمثلة ثنائي الكلور، الذي يجلب لأنوفنا رائحة المروج الصيفية وقرون الفانيليا. لكن تم الربط بين هذه المكونات وارتفاع خطر الإصابة بالربو في الأطفال والكبار.
في عام 2013، بعد دراسة شملت أكثر من 2000 امرأة حامل، أعلنت المجلة الدولية للصحة العامة أن النساء اللائي استخدمن معطرات الجو في منازلهن أثناء الحمل، كن أكثر عرضة لإنجاب أطفال يعانون من اللهاث والتهابات الرئة.
إحدى الدراسات التي تتبعت 14000 طفل من قبل وبعد الولادة وجدت أنهم يعانون من ارتفاع معدلات الإصابة بالإسهال وألم الأذن، بينما عانت الأمهات من زيادة مخاطر الإصابة بالصداع والاكتئاب، كل هذا تم ربطه للاستخدام المستمر لمعطرات الجو أثناء الحمل وفي بدايات الطفولة. ودراسة أخرى عام 2007 بينت أن استخدام معطرات الجو بمعدلات قليلة تصل حتى مرة واحدة أسبوعيا بإمكانها زيادة معدلات الإصابة بالربو في البالغين.
تحتوي العديد من معطرات الجو الأخرى مواد تدعى المركبات العضوية المتطايرة، المتميزة بانخفاض نقاط غليانها، ما يجعلها تتبخر في درجة حرارة الغرفة العادية. يحذر الخبراء من أن هذه المركبات تزيد من مخاطر الإصابة الربو في الأطفال.


النفتالين
مركب آخر هو النقالين، الذي ظهر أنه يتسبب في تدمير الأنسجة وسرطان الرئة في فئران التجارب بالمعامل. الفثالات أيضا، مركب غاية في الخطورة موجود بداخل هذه المعطرات، رغم أن الشركات لا تضعه كمكون على العبوات التي تنتجها، وهذا المركب ضار للغاية حيث يتسبب في تغييرات في الهرمونات. بين العديد من الدراسات على الحيوانات أن التعرض للفثالات يتسبب في نقص الهرمون الذكري التستيستيرون ما يؤدي إلى تشوهات في الأعضاء التناسلية للأجنة ونقص إنتاج الحيوانات المنوية. أما الدراسات على البشر فربطت بين الفثالات وتغيرات هرمونية وضعف كفاءة السائل المنوي وتغيرات في تكون الأعضاء التناسلية. هناك خمسة أنواع من الفثالات، منها واحد يوجد في معطرات الجو، تم إدراجها من قبل ولاية كاليفورنيا كـ “مسببات للتشوهات الخلقية أو الأضرار التناسلية.” وبالإضافة لذلك، الفثالات الموجودة في معطرات الجو مرتبطة بأعراض الحساسية والربو.


الشموع التي ليست رومانسية للغاية!
هناك شيء جميل وخاص للغاية بشأن الشموع، فضوؤها المتلألئ بإمكانه صنع مشهد رومانسي مهدئ. لكن العلماء يصرون على صم آذانهم عن دعاوي الرومانسية، مصدرين تحذيرات كبيرة بشأن التلوث الذي تجلبه هذه الشموع إلى حياتنا. فبعد أن فريق من الخبراء بضعة أنواع من الشموع المعطرة، بعطور من أمثال القطن النظيف والفراولة وفاكهة الكيوي، وجدوا أنه خلف هذه العناوين اللذيذة تكمن مجموعة من الكيمياويات الصناعية الخطيرة التي تشمل الفورمالدهيد بمستويات رغم أنها ليست عالية جداً، إلا أن التعرض لها على المدى الطويل يزيد من مخاطر الإصابة بالمشاكل التنفسية والسرطان.
أيضا تطلق الشموع كميات كبيرة من المركبات العضوية المتطايرة. حتى قد بينت الدراسة أنك لست في حاجة لإشعال الشموع كي تنطلق هذه المواد، لأنها تنطلق في تبخر خاص بها مع درجة الحرارة العادية للغرفة.
وبينت دراسات أخرى أن الشموع يمكن أن يتم امتصاصها عن طريق الجلد بمجرد ملامستها.
تصنع معظم الشموع المعطرة من البارافين، الذي يجلب هو الآخر مشاكله! فمنتج البترول هذا يصدر جسيمات صغيرة جدا تحتوي على الأسيتون والبينزين والتوليون، التي تخرج في العادة من انبعاثات الديزل، وهي مسرطنات بشرية معروفة.


هل تشكل معطرات الجو ضرراً على البيئة؟
كانت المادة السحرية في رشاشات المعطرات هي الكلوروفلوروكربونات، هذه المواد غير سامة للبشر ولا تتفاعل مع المركبات الأخرى، حتى حدث تبين أمر غريب جدا جعل استخدامها يشكل وصمة كبيرة على الشركات المنتجة لرشاشات الرذاذ بكافة أنواعها.
أكد العلماء عام 1985 أن واحداً من أسباب ثقب الأوزون في طبقة الاستراتوسفير هو الكلوروفلوروكربونات الموجودة في الرشاشات بالرذاذ، حيث تقوم بتكسر جزيئات الأوزون التي تحمل الأرض من الأشعة فوق البنفسجية الضارة المنبعثة من الشمس. ولهذا بدأ المصنعون في البحث عن طرق أخرى لإطلاق المعطرات، مثل تركيب نظام توصيل أوتوماتيكي بداخل العلبة أو مراوح لنشر الرذاذ.
وبالرغم من أن أغلب الشركات لا تفصح عن المكونات التي تستخدمها، فإن الأبحاث التي تم إجراؤها فيما بعد على رشاشات المعطرات المنزلية أثبتت احتوائها على الفثالات والمركبات العضوية المتطايرة والملوث الهوائي الخطير المسمى الأسيتالدهيد، وهو أيضا مسرطن بشري محتمل.
رغم أن الضرر البيئي لهذه المعطرات حالياً غير مؤكد الوجود تماماً، فلا يوجد ما ينفيه وسط تكتم الشركات وإصرارها على خلو منتجاتها من مواد ضارة للبيئة.

اقرأ المزيد
الأسفلت الساخن

ما خطورة الأسفلت الساخن بسبب الشمس؟

حلل علماء من الولايات المتحدة وألمانيا المواد المنبعثة من الأسفلت الساخن ، واكتشفوا أن هذه المادة التي تغطي الطرقات وأسطح بعض المباني تلوث الهواء بهباء ضار.

وتفيد مجلة Science Advances، بأن مستوى هذا النوع من التلوث يقارن بمستوى مساهمة السيارات، على الأقل في المناخ الدافئ.

وكما هو معلوم عند التجوال صيفاً في شوارع المدن نشم رائحة الأسفلت الساخن. ولكن كم ينبعث من هذه المادة الضارة وما نوعها إلى الهواء الذي نتنفسه؟.


وللإجابة عن هذه الأسئلة، أجرى علماء من الولايات المتحدة وألمانيا تجارب في المختبر، تضمنت تسخين الأسفلت إلى درجات حرارة مختلفة وتسجيل المواد المنبعثة منه.

واتضح للباحثين من نتائج هذه التجارب، أن الأسفلت الذي يسخن إلى درجات حرارة الصيف الاعتيادية، يطلق مزيجا من المواد تشكل 85% منها مركبات عضوية شبه طيارة.


وتطلق هذه المواد على شكل دقائق صلبة مقاسها 2,5 ميكرومتر. وعند اختلاطها بالهواء الجوي يتكون هباء عضوي ثانوي (secondary organic aerosol, или SOA).

وإن تركيزSOA في الهواء، هو أحد المؤشرات المهمة للوضع البيئي. ولكن عمليا لم تؤخذ مساهمة الأسفلت في تكوين هذا الهباء بالاعتبار سابقاً.


ووفقا لحسابات الباحثين، تقارن مساهمة الأسفلت في مدينة لوس أنجلوس الأمريكية بمساهمة السيارات.
ويشير الباحثون، إلى أن أشعة الشمس هي السبب الرئيس في انبعاث هذه المادة، فقد أظهرت نتائج التجارب التي أجروها بواسطة أشعة الشمس المباشرة، أن انبعاثات SOA تتضاعف بمقدار ثلاث مرات.

ويؤكد الباحثون، على أن الأسفلت الذي يغطي الطرقات والأسطح منذ سنوات طويلة لا يصبح آمناً وصديقاً للبيئة. ويستمر بإطلاق هذه الدقائق الضارة التي يتنفسها البشر.


واستناداَ إلى هذه النتائج، يدعو العلماء إلى البحث عن مادة بديلة لتبليط الشوارع أقل ضرراَ من الأسفلت، أو البحث عن مادة تضاف إليه تجعله أقل ضرراَ.
وستؤتي هذه الجهود ثمارها سريعاَ لأن جودة الهواء هي أحد العوامل التي تلعب دوراَ مهماَ في متوسط طول العمر.

المصدر: وكالات

اقرأ المزيد